ابن عربي

48

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

يرحمون صغيرا ، ولا يوقّرون كبيرا ، لساء ما يزرون ، وتوطأ حرمتهم ، ويحار في حكمهم ، عند ذلك تكون إمارة النساء ، ومشاورة الإماء ، ونفوذ الصبيان على الناس ، وتكثر الشرط ، وتتحلى ذكور أمتي بالذهب ، ويتهاون بالزنا ، وتظهر القينات ، ويتغنى بكتاب اللّه ، وتتكلم الرويبضة » . قلت : بأبي أنت يا رسول اللّه وأمي ، وما الرويبضة ؟ قال : « يتكلم في أمر العامة من لم يتكلم قبل » . قال : أو يكون ذلك يا رسول اللّه ؟ قال : « نعم يا سلمان ، عندها تزخرف المساجد كما تزخرف الكنائس والبيع ، وتحلّى المصاحف بالذهب ، وتطوّل المنابر ، وتكثر الصفوف ، والقلوب متباغضة ، والألسن مختلفة ، ونوالهم لعفة من أعطي على لسان من أعطى شكر ، ومن منع كفر » . قال : أو يكون ذلك ؟ قال : « نعم يا سلمان ، عند ذلك يأتي سبايا من المشرق والمغرب ، تكون من أمتي ، فويل للضعفاء منهم ، وويل لهم من اللّه ، إن تكلموا قتلوا ، وإن سكتوا قتلوا ، موت على طاعة اللّه خير من حياة على معصية اللّه » . قال : أو يكون ذلك ؟ قال : « نعم يا سلمان ، عندها تشارك المرأة زوجها في أمره ، ويعق الرجل والده ، ويبر صديقه ، يلبّسون جلود الضأن على قلوب الذئاب ، علماؤهم شر من الجيفة » . قال : أو يكون ذلك يا رسول اللّه ؟ قال : « نعم يا سلمان ، عندها تكون عبادتهم فيها فيما بينهم ، التلاوة لها فيها ، ولا بد يسمّون في ملكوت السماوات والأرض الأنجاس والأرجاس » . قال : أو يكون ذلك ؟ قال : « نعم يا سلمان ، عند ذلك يتخذ كتاب اللّه مزامير ، وينبذ كتاب اللّه وراء ظهورهم ، يعطلون الحدود ، ويميتون سنّتي ، ويحبّون البدعة ، ولا يقام يومئذ بنصر اللّه ، لا يأمرون بالمعروف ، ولا ينهون عن المنكر ، عندها يغار على الغلام كما يغار على الجارية ، ويخطب كما تخطب النساء ، ويهيّئ كما تهيّئ المرأة ، عندها تقارب الأسواق » . قلت : بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ، وما تقارب الأسواق ؟ قال : « كل يقول لا أبيع ولا أشتري ، ولا رازق غير اللّه . يا سلمان ، عندها تليهم الجبابرة ، ويمنعون حقوقهم ، ويملئون قلوبهم رعبا ، فلا ترى إلا خائفا مرعوبا ، عند ذلك يرفع الحج ، فلا حج ، يحج كبار الناس للهوى ، وأوساط الناس للتجارة ، وفقراء الناس للرياء والسمعة » . قال : أو يكون ذلك ؟ قال : « نعم يا سلمان » ( الحديث ) ، وسيأتي معناه في هذا الكتاب مستوفى من حديث الكنانيّ ، وقد انتهى المجلس من محاضرة الأبرار .